عبد الشافى محمد عبد اللطيف
208
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة ، فإن حمله على الظهر يبعد ، ولا نبلغ معه ما نريد ، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم . . انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك ، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه ، إن شاء اللّه « 1 » . هذا هو عمر بن الخطاب يأمر بحفر قناة لوصل النيل بالبحر الأحمر سميت خليج أمير المؤمنين لتسهيل عملية النقل والتجارة بين مصر والجزيرة العربية ، فهو لا يجهل البحر ولكن هناك فرقا بين استخدام البحر للتجارة وبين الحروب البحرية ومخاطرها على المسلمين ، والتي كان عمر يخشاها عليهم ، عندما سمعت هذا الكلام أحسست بالدهشة ، بل بالانزعاج الشديد ؛ إذ كيف يوصف عمر بن الخطاب ، من أحد أساتذة التاريخ ، وبهذه « البساطة » بأنه يجهل أمر البحر ؛ لأنه نشأ في الصحراء . أو ليست هذه الصحراء شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاث جهات : البحر الأحمر من الغرب ، والخليج من الشرق ، وبحر العرب من الجنوب ، وقد تبين لي من خلال المناقشات أنه ليس عمر بن الخطاب الذي يجهل أمر البحر ، وإنما بعض أساتذة التاريخ - مع الأسف الشديد - هم الذين يجهلون تاريخ عمر بن الخطاب وأسلوبه في إدارة الدولة الإسلامية بصفة عامة ، وإدارة دفة الفتوحات الإسلامية بصفة خاصة ، ويجهلون أن قرارات عمر بن الخطاب لم تكن ارتجالية ، بل كانت مبنية على أسس موضوعية ، وبعد استشارة كبار الصحابة ، وفي هذه النقطة بالذات له مبرراته القوية ، كما سنشرح فيما بعد . فإذا كان هناك من يستحق أن يوصم بالجهل فهو من يصف عمر بن الخطاب بالجهل ، ولكي نعرف موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات بصفة عامة ، ومن إنشاء أسطول بحري إسلامي يغزو المسلمون به في البحار بصفة خاصة ، ينبغي أن نلم ببعض النقاط : أولا : إن حركة الفتوحات الإسلامية تعد واحدة من الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ البشري ، بل هي أخطر وأعظم حركة فتوحات في كل ذلك التاريخ ، وذلك لما أحدثته من تغييرات وتأثيرات عميقة ، على رقعة واسعة من الأرض امتدت على طول وعرض قارات العالم القديم : آسيا وأفريقيا وأوروبا .
--> ( 1 ) حسن المحاضرة للسيوطي ( 1 / 157 ، 158 ) طبعة ( 1 ) دار إحياء الكتب العربية ( 1967 م ) .